للتواصل معنا
ملخص كتاب اقتصاد الدونات من تأليف كيت راورث، هل يمكن للاقتصاد أن يكون أكثر من سباق أعمى نحو النمو؟ وهل يستطيع العالم أن يحقق الازدهار دون أن ينهك الكوكب أو يترك البشر خلفه؟ هذه الأسئلة هي نقطة الانطلاق التي يبني عليها كتاب اقتصاد الدونات رؤيته الجذرية لإعادة تعريف ما يعنيه التقدم في القرن الحادي والعشرين. في هذا العمل اللافت تقترح كيت راورث نموذجًا اقتصاديًا يتجاوز منطق الأرقام الجامدة ليضع الإنسان والطبيعة في قلب المعادلة، ويمنحنا إطارًا بصريًا وفكريًا يعيد ترتيب أولوياتنا من جديد.
كتاب اقتصاد الدونات ليس مجرد شرح لنظرية اقتصادية جديدة، إنه دعوة فكرية لإعادة التفكير في الهدف النهائي من الاقتصاد ذاته. تنطلق كيت راورث من نقد واضح للهوس بالنمو المقاس بالناتج المحلي الإجمالي، معتبرة أن هذا المؤشر فشل في التعبير عن رفاه البشر أو صحة الأنظمة البيئية. يقدم الكتاب نموذجًا يعتمد على شكل الدونات ليحدد المساحة التي ينبغي أن تتحرك داخلها المجتمعات، وهي مساحة تحقق الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية دون تجاوز الحدود البيئية للكوكب.
في قلب هذا النموذج نجد تصورًا اقتصاديًا لا يرى الفقر كقدر ولا التلوث كثمن حتمي للتقدم، لكنه يضع تصورًا عمليًا لكيف يمكن للاقتصاد أن يكون توزيعيًا في طبيعته وتجديديًا في أثره، بحيث يخدم الجميع ويحافظ على موارد الأرض في آن واحد.
يعتمد كتاب اقتصاد الدونات على دائرتين مترابطتين تشكلان معًا الإطار الكامل للنموذج. الدائرة الداخلية تمثل الأساس الاجتماعي، أي الاحتياجات الإنسانية التي لا غنى عنها مثل الغذاء والماء والصحة والتعليم والعمل والمساواة. أي نقص داخل هذه الدائرة يعني فشلًا أخلاقيًا واقتصاديًا في آن واحد.
أما الدائرة الخارجية فتمثل السقف البيئي الذي لا ينبغي تجاوزه. هنا تظهر حدود الكوكب المرتبطة بالمناخ والتنوع البيولوجي والمياه العذبة والتلوث. تجاوز هذا السقف يعني الدخول في منطقة خطر تهدد مستقبل الحياة نفسها. بين هاتين الدائرتين تتشكل المساحة الآمنة والعادلة للبشرية، وهي الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه الكتاب.
أحد أكثر أطروحات كتاب اقتصاد الدونات إثارة للنقاش هو موقفه المحايد من النمو. لا يدعو الكتاب إلى إيقاف النمو بشكل مطلق ولا يحتفي به بوصفه هدفًا مقدسًا، فالكتاب يرى أن السؤال الأهم بعد سؤال كيف ينمو الاقتصاد هو لمصلحة من وعلى حساب ماذا هذا النمو.
توضح كيت راورث أن الاقتصادات الحديثة أدمنت النمو لأنها صُممت بطريقة تجعله شرطًا للاستقرار. لذلك يدعو كتاب اقتصاد الدونات إلى إعادة تصميم الأنظمة الاقتصادية بحيث تكون قادرة على تحقيق الرفاه حتى دون الاعتماد الدائم على التوسع الكمي، مع التركيز على الجودة والعدالة والاستدامة.
لا يكتفي كتاب اقتصاد الدونات بالتنظير، إنه يقدم سبعة مبادئ عملية تساعد على تحويل النموذج إلى سياسات وممارسات قابلة للتنفيذ. هذه المبادئ تشمل تغيير الهدف، ورؤية الاقتصاد كنظام متداخل، وتصميم التوزيع العادل، والانتقال نحو اقتصاد تجديدي يعيد للطبيعة ما أُخذ منها.
وقد وجدت هذه الأفكار طريقها إلى الواقع بالفعل. مدن مثل أمستردام وملبورن وليدز بدأت في تبني نموذج الكتاب كإطار لاتخاذ القرار، سواء في التخطيط الحضري أو إدارة الموارد أو السياسات المناخية. هذه التجارب تثبت أن النموذج ليس حلمًا طوباويًا بل أداة عملية لإعادة توجيه المستقبل.
في النهاية، يقدم كتاب اقتصاد الدونات تصورًا اقتصاديًا أكثر تواضعًا أمام الطبيعة وأكثر عدلًا تجاه الإنسان. إنه كتاب لا يعد بحلول سحرية، لكنه يمنحنا لغة جديدة لفهم الأزمة وفرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنسانية مستدامة.