من تأليف علي الطنطاوي
نبذة عن المؤلف
محمد علي بن مصطفى الطنطاوي المعروف بـ «علي الطنطاوي» (1327- 1420 هـ / 1909- 1999 م) فقيه وأديب وقاضٍ سوري، أحد العظماء من أعلام الدعوة الإسلامية والأدب العربي في القرن العشرين.كان رئيسا للجنة العليا لطلاب سوريا في الثلاثينيات لثلاث سنين. وقد وضعت هذه اللجنة بعلى قدم المساواة مع اللجنة التنفيذية للكتلة الوطنية التي كانت تقارع الاستعمار الفرنسي لسوريا. كان أديبًا لامعا حظيت كتاباته على أن تنشر في الصحف العربية المرموقة لسنوات طويلة، و الأعظم قدرا ما كان يكتبه في مجلة الرسالة المصرية لصاحبها أحمد حسن الزيات، وانبرى يكتب فيها قرابة العشرين سنة من سنة 1933م إلى أن احتجبت سنة 1953. عمل منذ شبابه في سِلك التعليم الابتدائي والثانوي في سوريا والعراق ولبنان حتى عام 1940. ترك التعليم ودخل سِلك القضاء، فأمضى فيه خمسة وعشرين عامًا بدأ قاضيًا في النبك ثم في دوما ثم انتقل إلى دمشق فصار القاضيَ الممتاز فيها من 1943 إلى 1953. ونُقل مستشارًا لمحكمة النقض في الشام، ثم مستشارًا لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوحدة مع مصر. كُلِّف وضعَ قانون كامل للأحوال الشخصية عام 1947، وأُوفدَ إلى مصر مدَّة سنة فدرس مشروعات القوانين الجديدة للمواريث والوصية وسواها، وأعدَّ مشروع قانون الأحوال الشخصية كله وصار هذا المشروع أساسًا للقانون الحالي. أقام في المملكة العربية السعودية 35 عامًا قدَّم فيها برامج إذاعية وتلفازية حظيت بنجاح كبير، وحصل هو وأولاده على الجنسية السعودية.استأثر علي الطنطاوي بالعزلة على ترك الإذاعة والتلفاز عندما بلغ الثمانين من العمر. وكان قد مكث ما يقارب من الخمس سنين ينشر ذكرياته في الصحف، حلقةً كل يوم خميس، فلما صار كذلك وقَفَ نشرَها (وكانت قد قاربت مئتين وخمسين حلقة) وودّع القرّاء فقال: «لقد عزمتُ على أن أطوي أوراقي، وأمسح قلمي، وآوي إلى عزلة فكرية كالعزلة المادية التي أعيشها من سنين، فلا أكاد أخرج من بيتي، ولا أكاد ألقى أحدًا من رفاقي وصحبي».
ثم أوصد عليه باب بيته واعتزل الناس إلا قليلًا من المقربين يحلون عليه في معظم الليالي زائرين، فصار ذلك له مجلسًا يطل من خلاله على الدنيا، وصار منتدى أدبيًا وعلميًا تُناقش فيه مسائل العلم والفقه واللغة والأدب والتاريخ، وأكرمه الله فحفظ عليه توقّد ذهنه ووعاء ذاكرته حتى آخر يوم في حياته، حتى إنه كان قادرًا على استرجاع المسائل والأحكام بأحسن مما يستطيعه كثير من الشبان، وكانت (لغاية الشهر الذي توفي فيه) تُفتتح بين يديه القصيدة لم يرَها من عشر سنين أو عشرين فيُتمّ أبياتَها ويبين غامضها، ويُذكَر العَلَم فيُترجم له، وربما اختُلف في ضبط مفردة من مفردات اللغة أو في معناها فيقول: هي كذلك، فيُفتَح القاموس المحيط (وكان إلى جواره حتى آخر يوم في حياته) فإذا هي كما قال!
ثم ضعف قلبه في آخر عمره فأُدخل المستشفى مرات، وكانت الأزمات متباعدة في أول الأمر ثم تقاربت، حتى إذا جاءت السنة الأخيرة تكاثرت حتى بات كثيرَ التنقل بين البيت والمستشفى. ثم توفي بعد عشاء يوم الجمعة، 18 حزيران عام 1999م الموافق 4 ربيع الأول 1420 هـ، في قسم العناية المركزة في مستشفى الملك فهد بجدة عن عمر 90 عام، ودُفن في مقبرة مكة المكرمة في اليوم التالي بعدما صُلّي عليه في الحرم المكي الشريف.