ملخص صورة مريم | مرايا الذات وتحول الحكايات

المؤلف : مريم العجمي

كتابة : ياسر مرعي

رواية صورة مريم من تأليف مريم العجمي عمل سردي ينتمي إلى أدب ما بعد الحداثة، تتناول الرواية تشظي الذات والكتابة بوصفها فعل خلق، نص غني بالرموز والزمن المتداخل والتناص الثقافي.


ملخص الكتاب

ملخص رواية صورة مريم للكاتبة مريم العجمي، هل يمكن للمرآة أن تروي سيرة امرأة كاملة، وهل تتحول الكتابة إلى فعل ولادة لا يقل وجعًا عن ولادة الجسد، بهذه الأسئلة المضمرة تفتح الرواية عالمها السردي، رواية لا تحكي حكاية واحدة بقدر ما تكشف طبقات النفس وهي تتشظى وتعيد تركيب ذاتها عبر اللغة والذاكرة.

تنطلق رواية صورة مريم من لحظة تأمل داخلي حاد، البطلة تقف أمام مرآتين متقابلتين فترى نسخًا لا نهائية من نفسها، هذا المشهد التأسيسي لا يؤدي وظيفة جمالية فقط، بل يعلن عن بنية الرواية المفككة التي تقوم على التشظي وتعدد الأصوات والزمن، منذ البداية يدرك القارئ أنه أمام نص يرفض الخط المستقيم ويختار المسارات المتداخلة.

تتكون رواية صورة مريم من سبعة مقاطع سردية، هذا الاختيار ليس اعتباطيًا، الرقم سبعة يحضر بوصفه رمزًا للخلق والكثرة والامتلاء، المقاطع الأولى تعتمد التجزئة الداخلية، ثم تتلاحم المقاطع الأخيرة في كتل سردية متصلة، هذا الانتقال من التفكيك إلى التماسك يعكس رحلة الوعي من التشتت إلى محاولة الفهم، الشكل هنا يخدم المعنى ويعمق تجربة القراءة.

تلعب رواية صورة مريم بالزمن دون إعلان صريح، الماضي والحاضر والمستقبل يتداخلون داخل وعي الساردة، الاسترجاع ليس تقنية ثانوية بل عمود أساسي في بناء الحكاية، لحظة الحمل تقابلها لحظات الطفولة، انتظار الولادة يقابله انتظار اكتمال النص، هكذا يتحول الزمن إلى شبكة يشارك القارئ في إعادة ترتيبها.

تقيم رواية صورة مريم علاقة عضوية بين الجسد واللغة، الحمل ليس حدثًا بيولوجيًا فقط، بل استعارة كبرى لفعل الإبداع، النص يولد عبر سبع ليال كما يولد الطفل، الألم شرط للكتابة، والكتابة فعل مقاومة للخواء، هنا تتداخل صورة الأم بصورة الكاتبة دون حدود فاصلة.

في قلب رواية صورة مريم تقف مواجهة صريحة مع السلطة بأشكالها المختلفة، سلطة الأب داخل الأسرة، سلطة الزوج في العلاقة اليومية، سلطة المدرسة والمؤسسة الثقافية، الساردة لا تهاجم مباشرة، لكنها تكشف، التعرية تصبح أداة فنية لفضح القهر الرمزي، حتى العقاب يتحول إلى ممارسة داخلية حين تعاقب البطلة نفسها عن عجزها عن الكتابة.

تعمد رواية صورة مريم إلى كسر يقين القارئ، الساردة ترى نسخة أخرى منها عبر البحر، تتكرر العلامات الجسدية ذاتها، هنا يظهر الراوي غير الموثوق بوصفه تقنية ما بعد حداثية، القارئ مدفوع إلى الشك، هل ما يُروى حقيقة أم تخييل، هذا الالتباس جزء من متعة النص.

تمتلئ الرواية بإشارات تناصية واعية، تحضر قصة مريم العذراء بوصفها خلفية رمزية للولادة والمعاناة، يحضر النص القرآني بوصفه سندًا لغويًا وروحيًا، كما تظهر أسماء كتاب عالميين لتأكيد انفتاح النص على ثقافات متعددة، التناص هنا ليس زينة بل جزء من نسيج الرواية.

يمكن قراءة رواية صورة مريم بوصفها نصًا ينتمي بوضوح إلى أدب ما بعد الحداثة، الانعكاسية الذاتية، كسر السرد الخطي، تداخل الواقع والمتخيل، كلها عناصر تؤكد وعي الكاتبة بأدواتها، ومع ذلك لا تسقط الرواية في التجريب الفارغ، بل تحافظ على حرارة إنسانية عالية.

في النهاية تقدم الرواية تجربة سردية كثيفة، رواية عن امرأة ترى نفسها في مرايا متعددة، عن كتابة تبحث عن شرعيتها عبر الألم، وعن ذات تحاول أن تخلق معناها في عالم يفرض عليها الصمت، هكذا تظل رواية صورة مريم لمريم العجمي شهادة فنية على أن السرد لا يزال أقدر الفنون على كشف الإنسان لنفسه.